د. م. ســفــيـان الــتــل
23-3-2026
لم تعد قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق مجرد منشأة عسكرية تابعة لسلاح الجو الملكي الأردني، بل تحولت—منذ سنوات—إلى محور إقليمي تتقاطع عنده المصالح العسكرية الغربية، وتُدار من خلاله عمليات ذات أبعاد تتجاوز بكثير حدود المهمة الأصلية التي أُنشئ من أجلها التحالف الدولي ضد تنظيم داعش عام 2014.
ذلك التحالف، الذي قادته الولايات المتحدة وضمّ أكثر من 80 دولة، بينها قوى أوروبية رئيسية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا والدنمارك، لم يكن مجرد تحالف عابر لمكافحة الإرهاب، بل شكّل—فعلياً—بنية عسكرية متكاملة للعمليات الجوية في المنطقة. وقد اضطلعت هذه الدول بأدوار محددة، كان من أبرزها مراقبة وتعطيل الممر البري الممتد من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.
في هذا السياق، لم يكن الدور الأردني هامشياً، بل كان مركزياً وحاسماً. فقد تحوّل الأردن إلى نقطة تجمع رئيسية للقوات الغربية، ومنصة عمليات تنطلق منها الطائرات متعددة الجنسيات، وغرفة تنسيق تتلاقى فيها المصالح الأمريكية والأوروبية، ولا سيما الفرنسية والبريطانية. وبذلك، غدا الأردن أحد أهم المراكز التشغيلية لهذا التحالف.
غير أن ما كان يُفترض أن يكون وجوداً مؤقتاً مرتبطاً بظرف محدد، أخذ يتكرّس تدريجياً كوجود دائم. فمع توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين الأردن والولايات المتحدة عام 2021، حصلت واشنطن على حق استخدام 12 موقعاً وقاعدة عسكرية إضافية داخل الأراضي الأردنية، إلى جانب مواقع قائمة مسبقاً، مثل قاعدة “البرج 22”. ولم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل جزءاً من إعادة تموضع استراتيجي طويل الأمد.
ترافق ذلك مع استثمارات عسكرية ضخمة شملت تطوير البنية التحتية، وتوسعة قاعدة الأزرق، وبناء ملاجئ محصنة للطائرات، إلى جانب مشاريع لوجستية، من بينها إنشاء طريق بري سريع حديث مولته دولة خليجية يربط الأزرق بالسويداء في سوريا، بما يفتح امتدادات جغرافية تصل—بشكل غير مباشر—إلى القنيطرة، ومن ثم إلى فلسطين المحتلة.
أما فرنسا، فقد أحسنت استثمار ظروف ما بعد 2014، لتؤسس موطئ قدم عسكري خاص بها في منطقة الرويشد قرب الحدود العراقية، عبر قاعدة الملك فيصل بن عبد العزيز الجوية. وقد ظل هذا الوجود محاطاً بقدر كبير من السرية، إلى أن كُشف عنه عملياً خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للأردن ولقائه بالجنود الفرنسيين هناك. كما عززت باريس حضورها من خلال تسهيلات في قاعدة الحميمة شمالي العقبة، ومشاركة حاملة الطائرات “شارل ديغول” في مناورات بحرية في المنطقة.
ولا يقتصر الحضور الفرنسي على البعد العسكري، بل يمتد إلى نفوذ اقتصادي واضح، يتجلى في إدارة أو السيطرة على قطاعات حيوية عبر شركات كبرى، مثل أورانج للاتصالات وتوتال للطاقة ولافارج للإسمنت، ومياهنا التي حلت محل شركة ليما الفرنسية وتم تمويلها من فرنسا، إضافة إلى إدارة مطار الملكة علياء الدولي. وهو ما يعكس تداخلاً بين البعدين العسكري والاقتصادي في إطار نفوذ أشمل.
أما بريطانيا، فقد حافظت على حضورها التقليدي في الأردن، ولكن بصيغة مرنة تتكيف مع طبيعة المهام، خصوصاً في مجالات الدعم والتدريب. في حين تراجع حضور دول أوروبية أخرى، مثل هولندا وبلجيكا والدنمارك، بعد انحسار العمليات ضد داعش، رغم مشاركتها السابقة بطائرات “إف-16”.
في المحصلة، يتضح أن الوجود العسكري الغربي في الأردن لم يعد مجرد استجابة ظرفية لما سمي تهديد داعش، بل أصبح جزءاً من منظومة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل قواعد عسكرية متطورة، وانتشاراً حدودياً حساساً، وبنية تحتية متقدمة للطائرات والمسيرات وحملة إعلامية مركزة. وتؤدي هذه المنظومة—بحسب هذا المنظور—وظيفتين متوازيتين: الأولى الدفاع عن إسرائيل من جهة، والثانية تعريف إيران كعدو مركزي في الوعي العربي والإقليمي من جهة أخرى.
انطلاقاً من ذلك، يصعب افتراض أن إيران كانت غافلة عن هذه التحولات. فقاعدة الأزرق والمحتوية على الرادارات المتطورة باهظة التكاليف والتي يُعتقد أنها استُخدمت لاعتراض صواريخ متجهة نحو إسرائيل، ليست هدفاً عسكرياً عابراً في الحسابات الإيرانية، بل جزء من شبكة عمليات أوسع. وعليه، فإن إدراجها ضمن بنك الأهداف—وقصفها منذ المراحل الأولى لهجمات إيران الدفاعية—يأتي في سياق قراءة استراتيجية لهذه الوقائع.
وعليه، فإن الموقف الإيراني—وخاصة ما يتعلق بشروط وقف التصعيد، مثل التعويض عن الأضرار، وإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة—لا يمكن فصله عن هذا التصور الأشمل لطبيعة الصراع وتوازناته.
عمان
المصدر: الرأي اليوم
