الدكتور عبدالله عطوي الطوالبة كتب أربع عشرة حلقة في موقع الحوار المتمدّن عن كتاب الهيمنة الصهيونية على الأردن؛ سنقدمها لكم تباعا، كل ثلاثة أيام حلقة.
الحلقة الأولى/ د. عبدالله عطوي الطوالبة:
الصيحة لغة، كما نقرأ في معجم المعاني الجامع، الصراخ، والصوت العالي للتحذير من أمر يثير مشاعر الخوف أو اليأس. وتُطلق أيضًا على الغارة المفاجئة (أخذتهم الصيحة). أما الكتاب الموصوف بالصيحة من قِبَلِنا، فعنوانه “الهيمنة الصهيونية على الأردن”، لمؤلفه الشخصية الوطنية المفكرة المحترمة، الدكتور المهندس سفيان التل. الكتاب يضم بين دفتيه معلومات في غاية الأهمية والخطورة في آن معًا، تستدعي ما هو أكثر من القراءة. وهذا هو هدفنا من الإضاءة عليها في حلقات، لأن الأمر يتعلق ببساطة بمصير وطن، هو وطننا الأردن بإنسانه وأرضه. مصدر الخطر لا يختلف عليه اثنان سويا العقل وسليما التفكير، ونعني الكيان الصهيوني. وهو ذاته، أي الكيان، لا يخفي أطماعه في الأردن. ونحن نرى أن مؤلَّفًا بهذه المضامين جدير بأن يكون سبب تفاعل ونقاش وموضوع ندوات ودرس وبحث من قِبَل طرفين بشكل خاص، الجهات الرسمية كونها مسؤولة أمام التاريخ، والإنسان الأردني لأنه المعني أولًا وأخيرًا.
يقول المؤلف في المقدمة:”هذا الكتاب ليس الصيحة الأولى بالتأكيد، فلطالما صاح الأحرار منبهين ومحذرين من الهاوية التي إليها نسير، والجُرف الذي نتدحرج فيه. وعلى الطرف الآخر، تُعرقل أو تُحبط الذئاب اليهودية كل خطوة نخطوها نحو الإصلاح أو في الاتجاه الصحيح، وتفترس في كل يوم منحىً من مناحي حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن لا من مستمع ولا من مجيب”.
وفي التمهيد، يطرح المؤلف ثلاثة أسئلة مصيرية بالنسبة لنا كأمة:”لماذا نحن متخلفون إلى هذا الحد؟ ولماذا نعيش عصر انحطاط؟ هل لأننا متخلفون في تركيبتنا، أم لأننا أمة “غير قابلة للتحضر”، كما يقول المستشرق اليهودي برنارد لويس؟.
الإجابة يتقصى الدكتور التل أصولها بالعودة إلى بدايات القرن الفارط، حيث أخذت بالظهور واضحة جلية بوادر سقوط الدولة العثمانية. في موازاة ذلك، بدأ عصر التوسع الاستعماري الأوروبي للسيطرة على ثروات الشعوب. يستحضر المؤلف مؤتمر كامبل (1905- 1907) في لندن، بمشاركة سبع دول أوروبية استعمارية، هي بريطانيا، وفرنسا، وهولندا، وبلجيكا، واسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال. كان هدف المؤتمر اعداد استراتيجية أوروبية تضمن سيادة الحضارة الغربية على العالم، ووضع آلية قابلة للتطبيق تضمن تفوق الإستعمار الغربي وحماية مصالحه على المدى البعيد.
اختتم المؤتمر أعماله بصدور ما يُعرف بوثيقة كامبل، وتضمنت تقسيم العالم إلى مساحات ثلاث:
الأولى، المنظومة الغربية، ويجب ألا تكون السيادة على العالم خارج إطارها. الثانية، الحضارة الصفراء، كما أسموها، وتشمل دولًا لم تتناقض مع الحضارة الغربية، بحسب المؤتمرين، من الناحية القيمية. ولا تشكل تهديدًا لها، وإن اختلفت معها على صعيد المصالح. الثالثة، وصفوها ب”المساحة الخضراء”، وتحتوي منظومة قيمية منافسة لنظيرتها الغربية. فقد صارعتها في مناطق كثيرة، وأخرجتها من مناطق كثيرة أيضًا. وأكدت وثيقة كامبل ضرورة منع أي تقدم محتمل لهذه المنظومة الحضارية أو إحدى دولها، لأنها باختصار تشكل تهديدًا للنظام القيمي الغربي. المقصود هنا، بحسب واضعي وثيقة كامبل، الدول العربية والإسلامية. واقترحت الوثيقة ثلاثة إجراءات رئيسة للتعامل مع هذه الدول: الأول: حرمانها من المعرفة والتقنية أو ضبط حدود المعرفة.
الثاني: خلق مشاكل حدودية بين هذه الدول.
الثالث: دعم الأقليات، بحيث لا يستقيم النسيج الاجتماعي في هذه الدول وليظل مرهونًا بالمحيط الخارجي.
على صعيد التطبيق العملي لمخرجات مؤتمر كامبل، شُكِّلَت لجنة بإسم “لجنة الإستعمار”. وأول شيء فعلته اللجنة وانطلقت منه، دراسة ملفات نابليون والسياسي الإنجليزي بالمرستون ومواطنه السياسي دزرائيلي. المشترك بين هؤلاء الثلاثة، المناداة بإقامة كيان يهودي في فلسطين. وعليه، اعتمدت اللجنة التوصية التالية:”على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخُّر المنطقة وتجزئتها وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصل بعضها عن بعض، كوسيلة أساسية مستعجلة. ولدرء الخطر، توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي. وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للإستعمار عدوة لسكان المنطقة”.
هذه هي حقيقة الكيان الصهيوني، وهذا هو هدف زرعه في المنطقة. وعندما نصفه بأنه كيان شاذ لقيط، فإننا لا نتحدث من فراغ، بل يُقر زارعوه في فلسطين ويعترفون بأنه غريب في المنطقة. اعترافهم بأنه غريب، دليل إضافي يدحض أكاذيب الكيان الغاصب بحقوق مزعومة له في فلسطين. يتبع.
المصدر: الحوار المتمدّن
