د. عبدالله عطيوي الطوالبة
ارتأينا أن نخصص لأهم القطاعات، ونعني التعليم، حلقة ننهي بها سلسلة مقالات قراءتنا في كتاب (الهيمنة الصهيونية على الأردن). يبدأ المؤلف حديثه في هذا الجانب بأسباب رفض أن يكون في الأردن نقابة للمعلمين. السبب الأول برأيه أن الرافضين “من أجيال الهزيمة…أجيال تتعامل مع جيوبها وبطونها لا مع عقولها، مطروحة للبيع في سوق النخاسة لمن يدفع أكثر. وهي بالتالي تريد أن تُنشئ أجيالًا على شاكلتها، ليس للتحرر والتطور الحقيقي مكانًا في أجندتها”.
السبب الثاني، بحسبه، الخشية من أن يكون للنقابة دورها في وضع منظومة تعليمية وطنية، تشمل المعلم والمنهاج والطالب، تشدهم إلى تاريخهم وتراثهم وثوابتهم.
أما السبب الثالث، فيربطه المؤلف بوطنية المعلمين. فغالبيتهم وطنيون من إنبات هذه الأرض، لا انتماء لهم ولا ولاء لغير هذا الوطن. والتعليم بنظرهم، رسالة ومسؤولية ومستقبل أمة.
المعلم مستهدف، وذلك بالفقر والعوز ليظل ضعيفًا مهزوزًا فاقد الإرادة وغير قادر على المواجهة. والأخطر من ذلك، غير قادر على التحليل والنقد وبناء العقول وتفعيلها. بإيجاز، مطلوب معلم غير مؤهل للتربية الوطنية الحقيقية.
وكما المعلم مستهدف، فإن المناهج أيضًا مستهدفة. ينعى المؤلف على المناهج أنها “مستوردة، معدَّة من أعداء الأمة، إلى حد تدريس “الهولوكوست” لضحايا الصهيونية من أبنائنا وفي مدارسنا” وإهمال القضية الفلسطينية. المقصود تدريس “الهولوكوست” في مدارس وكالة الغوث وفي مدارس خاصة، حيث أثير الموضوع في بعض وسائل الإعلام وصاحب ذلك ضجة كبيرة عامي 2010 و 2011. وقد اضطرت بسببها مدارس وكالة الغوث إلى التراجع عن تدريس تلك المواد.
ويشير الدكتور التل إلى استهداف المناهج بأن “رفعوا منها كل ما من شأنه تفجير الحس الوطني، والدعوة للتحرر والإنعتاق وتحديد أعداء الأمة، وترتيب أولوياتها، والإعتزاز بتاريخها وتراثها”.
على صعيد الطالب، يرى مؤلف كتاب “الهيمنة الصهيونية على الأردن “أنه فريسة سهلة، بعد استهداف المعلم والمنهاج، للتغريب والتخريب والتجنيد في مسارب الضياع”.
ولا يفوت المؤلف الإضاءة على ما يسميه “تدني التعليم الجامعي إلى مستوى غير مقبول”، حيث يُستبعد أصحاب العقول ويحجَّمون ويُمنعون من العمل على بناء الإنسان وتوجيه الطلبة إلى استخدام العقل والتحليل والاستنباط.
ويحذر من مخاطر العنف الجامعي وتغذية المشاعر الإقليمية والجهوية والعشائرية، التي تخدم البرنامج الصهيوني الرامي إلى إثارة الفتن بين مكونات مجتمعنا.
ويقترح جملة من الحلول، يرى أن قطاع التعليم بمسيس الحاجة لها، تبدأ بتحرير مناهج التعليم من التلقين والتهميش والعدمية والتغريب، ووضع بدائل من شأنها تعزيز ثقافة الوعي النقدي وحقوق الإنسان والحوار والتعددية وتنمية روح الإبداع والبحث العلمي.
ويدعو إلى إعادة النظر في أنظمة التعليم الجامعي والعالي، ويشمل ذلك الحرية الجامعية وتأهيل الهيئات التدريسية وأساليب إدارة الجامعات وتطوير أنظمة التعيين والقبول واستكشاف المواهب وتحقيق تكافؤ الفرص.
ويولي المؤلف أهمية كبيرة لضرورة تحرير المواطن من سياسات تكريس سيكولوجيا الخوف، والدونية، وعبادة الفرد، وثقافة الاستهتار بالعمل المهني المنتج. وفي المقابل، العمل الدؤوب على بناء شخصية وطنية وفق أسس من شأنها تكريس روح المشاركة والمبادرة والشرف الوطني.
ومن الحلول المقترحة أيضًا، ضمان الحقوق النقابية للمعلمين والطلبة والشباب من دون تدخل أي جهة، ومجانية التعليم في مراحله كافة.
ولا يفوت المؤلف تأكيد ضرورة الارتقاء بمستويات المدارس في الأردن وتوحيدها، وتحرير المناهج من ثقافة الاحتقانات الجهوية والإقليمية والمذهبية، ومن ثقافة التطبيع والهزيمة.
ويؤكد في سياق متصل، ضرورة إعادة النظر في المدارس والجامعات الأجنبية في الأردن. ويشمل ذلك مناهجها وإداراتها وأنظمة القبول فيها وعلاقاتها الخارجية وإخضاعها للرقابة الوطنية.
كما يدعو إلى إعادة تأهيل شبابنا الذين خضعوا لعمليات غسل أدمغة، ويقصد على وجه التحديد أولئك الذين أوفدوا للتدريب في مؤسسات مشبوهة، تروج للتطبيع مع العدو. في هذا الإطار، يؤكد ضرورة تحصين الدولة والمجتمع ضد التغلغل الأمني الصهيوني والاستخباراتي العالمي بأشكاله كافة. ويدعو إلى وقف هيمنة الجهات الرسمية على الإعلام، وما يتأدى إليه لجهة حرمان الرأي الوطني الملتزم من الدفاع عن قضايا الوطن وكرامته وأمنه الوطني وقضايا الحريات عمومًا.
ويختم المؤلف كتابه بفصل اختار له عنوان “طريق الإصلاح، ويتضمن رأيه بهذا الخصوص. وهو رأي يحتمل الاتفاق معه أو مع معظمه، ويحتمل أيضًا التباين والإختلاف في وجهات النظر.
المصدر: الحوار المتمدّن
