الأحدث

الكتابُ الصَّيْحَة (2) زرع الكيان في فلسطين وتوطين اللاجئين!

الدكتور عبدالله عطوي الطوالبة كتب أربع عشرة حلقة في موقع الحوار المتمدّن عن كتاب الهيمنة الصهيونية على الأردن؛ سنقدمها لكم تباعا، كل ثلاثة أيام حلقة.

بدأ التطبيق العملي لمقررات مؤتمر كامبل، كما يشير الدكتور التل، في جغرافيا الوطن العربي مع اكتشاف النفط والسيطرة الغربية عليه. من هنا بدأ وضع خطط التقسيم والتفتيت، وأولها سايكس- بيكو 1916، ووعد بلفور 1917، وعد من لا يملك لمن لا يستحق، ومؤتمر فرساي 1919. في هذا الأخير، وُضعت وأُرسيت قواعد الهيمنة والسيطرة الغربيتين على منطقتنا وغيرها، واتخذ الاستعمار اسم الانتداب. وتبع ذلك مؤتمر سان ريمو 1920، وفيه حدد المستعمرون مناطق نفوذ كل من بريطانيا وفرنسا في الأرض العربية، وهي معروفة. وكان التطبيق الأخطر لمقررات مؤتمر كامبل زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، واعلان ذلك يوم 15 أيار 1948. يقول المؤلف في هذا السياق:”أخذت اسرائيل بدعم من الدول الغربية وتواطؤ بعض الأنظمة العربية بالتوسع وبسط سيطرتها على معظم أراضي فلسطين، ثم انتقلت إلى مرحلة توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر 1978، ثم اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية 1994، واتفاقية وادي عربة 1994 مع الأردن. ويضيف المؤلف:”منذ ذلك التاريخ (زرع الكيان في فلسطين)، بدأت اسرائيل بالتوسع وبسط هيمنتها على الأردن، وعلى مختلف مفاصل الحياة فيه”.
ومن عندنا إضافة مختصرة بخصوص ما يسمى اتفاقيات “السلام والتطبيع” مع عدو كإسرائيل. ذكرنا في الحلقة الأولى الأهداف الحقيقية المتوخاة من زرع هذا الكيان الشاذ اللقيط في فلسطين، بناء على وثائق زارعيه. السلام ليس من أهداف وجوده الشاذ في منطقتنا، ولن يكون. يضاف إلى ذلك، أن أميركا ساقت بعض الدول العربية بالعصا والجزرة الموهومة إلى مؤتمر مدريد 1991، بعد احتلال العراق وتدميره. مقصود القول، العرب الذين ذهبوا إلى مدريد، كانوا مُرغمين، وفي ظل موازين قوى في غير صالحهم. يقول الاستراتيجي صن تزو:”لن تحصل على طاولة المفاوضات أبعد من مرمى مدفعيتك على الأرض”. فكيف عندما تذهب إلى التفاوض، وأنت بلا مدفعية أصلًا، كما حصل مع الأنظمة المشاركة في “مسرحية مدريد للسلام”؟!
وفي السياسة عمومًا، الأمور بخواتيمها. فما حصل بعد مؤتمر مدريد وحتى طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه، يؤكد أن ما يُعرف باتفاقيات “السلام” إن هي إلا اتفاقيات إذعان واستسلام بإسم السلام.
بالعودة إلى الصدد، ينقلنا الدكتور التل إلى موضوع “الوطن البديل”. برأيه، بدأ توطين الشعب العربي الفلسطيني المشرد ظُلمًا من أرض آبائه وأجداده، في الأردن عمليًّاا منذ هجرة 1948، بطريقة ناعمة استغلت الحاجة الإنسانية، كما يقول. فقد كانت البداية إقامة المخيمات، ثم تحويل الخيمة إلى كوخ من الصفيح، وتحويل هذا الأخير فيما بعد إلى غرفة اسمنتية، ثم إلى مبانٍ ثابتة، وتحويل المخيم بعد ذلك إلى بلدة. ويضيف المؤلف إلى ذلك، استحداث عدد من المؤسسات المصرفية، منها مؤسسة الإسكان وبنك الإسكان، لتوفير الفرص المالية لمن يريد بناء منزل خارج المخيمات. وفي السياق ذاته، يُدرج المؤلف إنشاء مؤسسة التطوير الحضري، لتزويد البلدات الجديدة المستحدثة بالماء والكهرباء والصرف الصحي، ولا بأس من الاحتفاظ باسم البلدة كمخيم.
ويضيف المؤلف في السياق ذاته:”حصل ذلك عن طريق استئجار أراضٍ من المواطنين بمبالغ زهيدة، وعندما أُقيمت المباني متعددة الطوابق على تلك الأراضي المستأجرة، شعر المواطنون أنهم بدأوا يفقدون أراضيهم فأقاموا الدعاوى في المحاكم لاسترداد أراضيهم، وفي النتيجة ربحوها، إلا أن تعليمات صدرت من جهات عليا بإغلاق الملف وإبقاء الوضع كما هو عليه”.
ويقول المؤلف وهو مُحق إن الفسطينيين تعلموا دروسًا كثيرة من هجرة 1948، فازدادوا تمسكًا بأراضيهم، لكن الصهاينة يعملون كل ما بوسعهم لجعل حياة أصحاب الأرض غير ممكنة في وطنهم فلسطين.
ويستعرض المؤلف فصول التآمر على فلسطين وشعبها، وقد بلغت مداها بعد تنفيذ وعد بلفور، وتوطؤ بريطانيا في تأمين الهجرة اليهودية إلى فلسطين وصولًا إلى نكبة 1948، ودعم الدول الكبرى قيام دولة يهودية، ترتب عليها تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه. ويشير إلى تساوق النظام العربي الرسمي وتماهيه مع سياسات تهجير الفلسطينيين وتهيئة البنية الأساسية لذلك.
ويضئ المؤلف على مشاريع توطين الفلسطينيين “معتمدة على العنصرالاقتصادي، لدمج اللاجئين في الدول التي لجأوا إليها”. ومنها، مشروع “ماك جي”(1949)، ومشروع داغ همرشولد( 1959)، وجوزيف جونسون(1962) وغيرها. وكلها تلتقي في هذف واحد: حرمان الشعب العربي الفلسطيني من حقه المشروع بالعودة إلى وطنه الذي شُرِّدَ منه بالقوة. وبعد انطلاق ما يُسمى “عملية السلام” في مدريد 1991، ظهرت مقايضات “حق العودة بالدولة المستقلة وبناء شرق أوسط جديد وإنهاء الصراع”، وطرح ما يسمى “حلول إبداعية” لمشكلة اللاجئين وذلك بالشراكة مع أطراف اسرائيلية رسمية وشبه رسمية برعاية دولية. ومن هذه الحلول “وثيقة أبو مازن- بيلين (1995)، ومشروع نسيبة- ايالون(2002)، ووثيقة جنيف(2003)، ووثيقة آن بروفانس(2007)”. المشترك بين هذه “الحلول” كلها النص على “تحسين شروط حياة اللاجئين حيث هم إلى حين العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية أو حمل جنسيتها والبقاء في الشتات كجاليات، والتعويض المجزي مع التأهيل والتوطين، والعودة إلى أراضٍ تتخلى عنها اسرائيل ضمن تبادل الأراضي”. وقد أثبتت الأيام أن هذه الحلول لا تعدو كونها ابر تخدير لشراء المزيد من الوقت، وتوسيع الإستيطان ومصادرة الأراضي، وهو ما تضاعف بعد عملية السلام المزعومة. يتبع.

المصدر: الحوار المتمدّن